من جزر القمر

حزن يومي

ماذا يمكنني أن أفعل الآن لإنقاذ ما تبقى لي من وقت ؟ أووه الوقت. أشعر في بعض الأحيان أنه كبقيتنا ضحية أخري للوجود، إنه يركض دائما دونما توقف، يركض إلي اللانهاية, علي الأقل نحن “البشر” لدينا فرصة ما لوضع حد ا لمعاناتنا. أما هو فلا. منذ المخلوقات الأولي إلي وقتنا الحالي الزال يركض لاهثا هنا وهناك, يا له من مسكين

أحاول أن أستذكر مواقف قديمة لأدونها هنا , مواقف مهمة “بالنسبة لي ” أو تركت أثرا ما في حياتي ,في نفسيتي المتهالكة ولكن الذاكرة تخونني ولطالما فعلت ذلك, إنها مستعدة أن تقفز إلي في حالة نشوة هدوء وطمأنينة بأحداث مقززة ومحزنة لتقلب مزاجي رأسا علي عقب ,أما عندما أكون بحاجة إليها في الأمور المهمة فتظل راكدة بال حركة ,تحملق بي بطرف عينيها اللعوبتين بنظرات باردة ,إنها تستنزف مشاعري في بعض الأحيان بشكل بغيض . “إذا اختارت  الاستمرار  ربما يكون لديك فرصة لسعادة ما” , يقول قلبي الجبان الآن “ربما تتعلمين الرسم جيدا و تتشهرين , تخيلي كل ذلك , يتجمع الجميع حولك ليسألوك عن أعمالك الفنية العظيمة ,أو تتعلمين العزف علي ألة موسيقية ما كالبيانو مثال أو أي شئ أخر، فكري مرة أخرى في قرار انتحارك، قد يعود عيسي إليك ثم تتزوجان لتعيشا حياة سعيدة، كم سيكون هذا رائعا ومبهجة حد البكاء ” أضحك بشدة من بلاهة  قلبي ,انه محطم كليا ورغم ذلك لازال يود أن يكمل التجربة ,يا له من ساذج  وضيع .  

الإنسان هو كائن لا يتعلم أبدا ولا يتراجع , فرغم كل الكوارث التي حدثت ولازالت تحدث إلا أنه لازال يستيقظ كل صباح بوجهه الشيمبانزي ليرسم علي وجهه ابتسامة ساذجة ويكمل المسيرة , ولكن إلي أين ؟ إلي الهلاك طبعا . دائما يأمل بالمزيد ويرغب بالمزيد , لا يشبع أبدا ولا يتعب من كثرة الركض وراء مباهج وهمية قابلة للتحول إلى رماد في لحظة واحدة , ينجب الأطفال كل يوم بينما يراقب الأخرين يموتون , لا يفكر في وضع حد لهذه المعاناة , إنه رغم كل هذا الكابوس الوجودي يبتسم بسذاجة بالغة سذاجة توحي ببرودة مقرفة ومستعصية علي الفهم . “إن عدميتك هذه هي سبب شقائك الحقيقي يا ثريا ” قالت صديقتي البوهيمية ذات لقاء. لم أستطع شرح أي شئ لها ولم أحاول ذلك , لأنها كانت محبة للحياة بطريقة ساخرة . كيف يمكن لي إخبار شخص متفاءل حد النخاع بمدى كرهي الشديد لوجودي , إن جميع محاولاتي للتمسك بالأمل انتهت بفشل مريب , سيظن بأني أهذي أو أن جنونا ما قد أصابني , ثم ما الداعي للشروحات الطويلة ,؟ من أجل ماذا ؟ إقناعهم بأن الجميع ليسوا سعيدين بهذا الصخب الوجودي ؟ ولكن هذه ليست مهمتي .

الآن في مكان ما في هذا العالم المرعب ثمة عاشقان يمارسان الجنس بشغف وحب ,الآن أيضا ثمة طفل يولد ,في الواقع أطفال ,الآن ثمة انكسارات تحدث لأشخاص ,انهيارات عاطفية ,نجاحات مزيفة بالنسبة لآخرين ,الآن ثمة من يكتب مثلي , يتقيأ كل الألم على وريقات قابلة للحرق أو الضياع , الآن ثمة رقص, لعب ,حب وكذلك ألم ,الألم العميق المجهول, الآن في الطرف الآخر من الكوكب ثمة فتاة تنتحر , وثمة أخرى تُغتصب ,وأخرى تهان من قبل رجل ما أو امرأة ما لا يهم من هو الجلاد ما يهم هو أن فتاة ما تعاني الأن ,شاب ما يعاني ,عجوز يتم التخلي عنه في مركز للمسنين من قبل أوالده, حيوانات تقتل من أجل بشريين حمقى .

أنا يائسة تماما وهذا العالم لا يمكن إصلاحه بأي بطريقة كانت . “الموت حياة ” يعلق أحدهم علي موت سياسي كبير متدين بعد سجنه ظلما, الموت موت ,الموت نهاية ,لا شيء قبل الحياة و لا شيء بعد الموت ,أريد حقا أن أصدق من يقولون بأننا سنخلد بعد موتنا , ربما نكون أولاد هللا المختارين , لماذا نكون أولاد هللا المختارين بعد الموت ؟ لماذا لا يكون ذلك أثناء الحياة؟ لماذا تخلى عنا بهذه البساطة؟ .

تستيقظ جدتي بعد نوم عميق ..تتحرك ببطء في الأرجاء مرددة أذكار الصباح ,تفتح جميع النوافذ ليدخل الضوء وتبدء صراخها المعتاد “لقد اخبرتك مسبقا بمدي ضرورة فتح جميع النوافذ فترة الصباح قبل التاسعة ,لكنك ال تستمعين إلى, الآن لن يدخل سوى حرارة الشمس إلي المنزل ,هذا سيئ ,هذا سيئ ” ,جدتي تحب تكرار “هذا سيئ أكثر من مرة عندما لا يعجبها أمر ما ” أردت أن أخبرها بأننا لسنا مضطرين حقا لاستقبال أي ضوء لأن الظالم يسود الأرجاء وقادر على إطفاء نور الشمس هذا , إننا فقط لا نولي اهتماما بهذا الظالم ونحاول تجاهله حتي لا يغشي علينا من فرط الكآبة ,لكنني تذكرت بأن اليوم سوف أنتحر وليس ثمة هناك أي داعي للمشاحنة ,علي أن أركز في أمور مهمة أخري ,مثل , مثل لا شيء ,ليس ثمة هناك أي أمر مهم .

عندما أحاول أن أعدد الأسباب التي تدفعني إلي الانتحار لا أجد أي سبب قوي لذلك , لا أجد أي سبب علي الإطلاق , رغبة في ألا أكون فحسب , هذا سبب ولكن قد يبدوا للبعض غير مفهوم كما أنه يبدوا كذلك بالنسبة لي. ماذا يعني أن أكون ؟ بالنسبة لي هذا يعني بأنه علي أن أتحمل مسؤولية فعل لم أقترفه وهو وجودي وأنا حتما لست مستعدة لذلك في هذه اللحظة ولن أكون كذلك في الأيام القادمة, المستقبل يبدوا دوما لي كفخ ينصبه الأيام لي ,الأيام والحياة والقدر , لعبة متقنة مخيفة تجعلنا نرى ضوءً ما قادم إلينا في نهاية المطاف عندما تغلفنا عتمة الحاضر والماضي ,الحل هو ألا نولي اهتماما للماضي ولا الحاضر ولا المستقبل ,هذا أشبه بمعجزة مستحيلة الحدوث .

تكتبها سعيدة سيد

خريجة الشرعة والقانون جامعة الأزهر

كل الأفكار والآراء الواردة تتحمل كاتبتها كامل المسؤولية

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *