دمع الشتات والعدم في عيونِ لاجئة

لا شيء سوى ضجيج المطر خلف زجاج النوافذ، وطبول الرعد تُقرع بعنف، والبرق يأتي خاطفاً كأنه يهدد الأرض بالاحتراق

قُطع التيار الكهربائي عن هذه المدينة الكئيبة في أعين الغرباء، فأظلم البيت الذي هو عبارة عن مطبخ صغير وحمام ومكان هو غرفة ومضيفة معاً.. سرير خزانة أريكة وطاولة مع كرسي خشبي واحد، ساعة على الجدار وصورة عائلية ونافذة زجاجية كبيرة مع شرفة صغيرة .. ورائحة الكعك تختلط برائحة المطر والذكريات والوحشة.

تنهدتْ بعمق وأشعلت الشموع الكسولة ثم كبرّت لصلاة العشاء بسكينة تامة وكأنها آخر صلاة لسجين سيوضع رأسه تحت المِقصلة بعد لحظات.. ثم بدأت تقتحمها الذكريات بصوت القنابل والصراخ مع وسوسة بين الركعات وشكوك في صحة صلاتها فصارت ترفع صوتها أكثر وأكثر علّها تعاود تركيزها… وصار الرعد يرفع صوته أكثر وأقوى _ لا أدري هل يريد تحطيم النافذة أم تحطيم وحدتها أم زعزعة خشوعها في صلاة انتهت منها بعد جهد جهيد!!! _ ثم صارت تكثر من الإستغفار والأذكار والدعاء بتوسل من بلغ الحزن والهم في صدره أقصاه، وغزارة الدمع في خديها تضاهي غزارة المطر، وأنفاسها التي تحاول البقاء حاضرة دون اشتعال.. لكنما القلب مازال يتصبّر متمسكاً بحبل محبة الله والرضى بما قضى .

تنهدتْ بعمق أكثر، إستجمعت نفسها قليلاً وبخطىً متثاقلة أحضرت كوب من الشاي وكعكة نجت من الإحتراق بأعجوبة، جلست على طاولتها المتهالكة نوعاً ما، أمسكت القلم وفتحت مفكرتها المليئة بعقارب الزمن السامة القاتلة . و شهية الكتابة تفوق شهيتها للكعك..فالكتابة زادها ومتنفسها وملاذها وركنها الصدوق في مكان لاتملك فيه أصدقاء ولا أحد.

ثم بدأت ” نقطة. سطر وئيد ..

هو الزمن المتماهي في ذاته، الساقط بين بين حافة الخيال والأبد. _ هو مكان متسع لامتناهي الحدود نهرب إليه من الوجود الضيق المحدود مقارنة به. _ هو مولود من رحم اللاشيء في سرمدية مطلقة. _ هو المحسوس اللاملموس الممتد حد التلاشي. _ هو كونٌ لايتكوّن من أي مكوِن ولا يحمل بداخله إلا الفراغ الأزلي. _ هو اللاتفسير واللاوجود واللاكيان واللاهدف واللاترجمان. _ هو الذي يُخرس العقل واللسان عند التفكير في ماهيته… هذا هو العدم …

العدم الذي وجدت نفسي أستوطنه صبيحة الكارثة، صبيحة الرعب والوجع والقهر والدمار، بداية المعاناة والتهجير والنزوح..

يومها استيقظت على أصوات الصراخ والبكاء والنواح، كان جسدي ثقيلاً مرمياً بين ركام من الصخور والتراب، حاولت النهوض بينما كل جزء فيه يتألم بشدة، نصف وجهي مغطىً بالدماء التي تنزف من جرح أجهل مكانه من قوة الألم.. تبدو الصور التي أمامي كأنها كابوس سيء .. لاشيء سوى الدمار والناس يبحثون بين الركام، والبعض ثكلى، وآخرون بين الموت والحياة..ورائحة الدم الكريهة تزكم الأنوف من قوتها، ثم جاءت جارتنا مغبرة ملطخة بالدماء تركض نحوي وهي تبكي وتضمني بقوة.. مازلت أذكر حر أنفاسها في عنقي ونحيبها وارتعاش جسدها الذي جعلني كالزلزال أهتز رعباً في عدم تصديق.

سألتها بصوت مختنق مرتجف : مالذي حدث ياخالتي؟

أجابتني : لقد دمرونا القتلة المجرمين ، قصفونا بصواريخهم قتلوا أحبتنا ومزقوا قلوبنا وأرواحنا.ثم أجهشت بالبكاء حتى كادت روحها تزهق.

نزلت كلماتها علي كصاعقة.. وصرت كمن فقد عقله…. لقد كنت في زيارة لصديقتي ثم ودعتها لأعود للبيت بعد غروب الشمس.. البيت الذي كان على بعد خطوات مني حين بدأ هذا الرعب و رأيت بيتنا وهو يتفجر أمامي ثم أصابتني صخرة افقدتني الوعي على مايبدو.

تركت خالتي وصرت كالمجنون أبحث بين أثار بيتنا وأصرخ وأنادي على أبي و أمي وجدتي وأخي وأختاي الصغيرتان…لاشيء

لاصوت ولا رد على ندائي سوى الصدى الهارب.

يكاد قلبي يخرج من مكانه وعقلي سينفجر وجسدي لم يعد يقوى.. تهاويت على الأرض بكلي..لا أصدق ماحدث أبداً

قالت خالتي بنظرة قهر : لقد ماتوا جميعاً ياابنتي، ماتت أمي أيضاً وأولادي كلهم لم يبقى لي أحد سوى زوجي فقد كنا عند الطبيب عندما بدأ القصف.

تفتتت كبدي لحظتها وبدأت نبضاتي تضرب صدري بعنف وأغلقت الغصة حلقي فعجزت عن الصراخ أكثر.

ثم غبت عن الوعي ولم أستيقظ سوى بعد أيام في المشفى ولم ينجو من أحبتي أحد سوى صورة تجمعنا كانت معلقة في أحد جدران البيت .. ومافائدة الصور والأحباب في الغياب ومافائدة وجودنا دونهم.

البكاء والنحيب وبحر الدموع “كلها لا تجدي.

وبدأت رحلة الرحيل والتهجير، في عز الهجير تارة وتارة بين عواصف الثلج وأخرى تحت قسوة المطر ولا نرى للربيع ربيعاً.. نمضي من أرض لقفار لجبال نتحدث مع الصخور ونصادق وحوش الفلاة ، ننتقل من مخيم لهروب بالبحر..

نعتلي المخاطر بسخرية، نأكل الخبز الجاف ونلتحف الأرض، نعاند الخوف والمرض والتعب ، ندخل لبلاد مجهولة، لشوارع وأناس لا أدري أهم الغرباء أم نحن، رحلة من الشقاء والبؤس، في كل خطوة فيها نفقد لاجئاً والكثير من الأشياء ، وفي كل محطة نفقد جزء من ذاتنا ، وفي كل لحظة احتياج نفقد شئ بداخلنا لاأعرف كيف أصفه.. لكن عزائي أننا لم نفقد إنسانيتنا رغم كل ذلك، والقلب عامر بالإيمان رغم مرارة الأيام والأحداث، لم نفقد ذاكرتنا التي تحمل الكثير ..

واستمرت رحلة التوهان والشتات والمنفى حتى إنتهت بي إلى بائعة في محل صغير في مدينة موحشة في دولة قاسية القوانين غريبة اللغة والعادات .. وحيدة بين جدران هذا البيت المنسي حيث أقتات الذكريات والوحشة أقاوم زمناً موبوءاً وأنتظر مصيراً مجهولاً بلامبالاة .

ويظل العدم هو المكان الذي نجد أنفسنا نستوطنه صبيحة كل كارثة وعند كل فقد وقهر وألم ونحمله بداخلنا في طرقات الحياة ودهاليزها بلا أجل مسمى .

ثم وقّعت ب ” لاجئة “.

أغلقت المُفكرة وعادت لإحتساء الشاي الذي صار بارداً كالعادة مع الكعك المنسي من السكر والناجي الوحيد من الإحتراق ..

ومازال المطر يحاول تحطيم النافذة، والشمع يحتضر و الروح في ثبات مزيف، والراحة في سبات عميق، ويبقى القلب في ألم وشوق للأحبة والوطن ومحاولات مستمرة للخشوع

بقلم نهى إبراهيم سالم

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *