عقبات التحول الديموقراطي في أرخبيل القَمر بين الجذور والآفات

في الوقت الذي أصبح التحرش الجنسي وباءً متفشيًا ولعنة يُطارَد بها ذوي القلوب المريضة  في بلد يكاد ينعدم فيه الرقابة الاجتماعية ،
ظل التحرش السياسي مكسبا عظيمًا يتسلق به الكثير من المنحرفين في أوساط القادة السياسية  لهذا البلد ، مما أغرقت البلاد والعباد في فوضى سياسية وأخلاقية لا مثيل لها في التاريخ السياسي لجزر الأرخبيل فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى ،
غير أن الملفت للنظر والمحير للكثير من المحللين السياسيين هو مدى تأثير تلك الآفات ضمن سلسلة من الآفات التي مازالت تقف حتى الآن كحجر عثرة أمام التحول الديموقراطي المنشود في تلك الأرخبيل المنسية في المحيط الهندي ،
فاذا استسلمنا أن كل قاضية نازلة ، وإن استمرارية الحال من المحال ، فإنه كان ولابد من دراسة متأنية وهادئة حول العقبات الحقيقية  للتحول الديموقراطي في جزرالقَمَر للحيلولة دون الوقوع في منزلق أخطر مما بات واضحًا الآن ،
ان الذين ينادون بتحول جذري بأقصى سرعة ممكنة  و دون مبالات بحقائق الأمور على أرض الواقع ، نعتقد أنهم يضعون أحلامهم في صندوق أسود لا يمكن تحليل محتواه إلا بعد يقظتهم من نومهم العميق ، حيث لا يخفى على أحد عمق التضاريس السياسية التي  زرعتها الدولة العميقة  و مازالت تترعرع  في الحين تلو الآخر حيث تعتبر العدو اللدود رقم واحد في طريق التحول الديموقراطي لهذا البلد الذي لم يتجاوز ساكنيه حتي الآن حدود المليون نسمة غارقين في فوضى سياسية واجتماعية ، نسبة لاتقارن باحدى بلديات محافظة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية الشقيقة ، مما يعني أن الذي يسول نفسه بأحلام التحول الديموقراطي في هذا البلد أن يدرس بعمق أكثر وبقدر من البداهة العقلية  والسياسة لمعرفة حقائق الأمور بغية الوصول إلى البدائل الحقيقية  لتحويلها إلى مفرزات معقولة قبل الخوض في المغامرة من جديد ، حيث الطريق مازال طويلًا عكس ما يصوره البعض على عدسات الوسائل الاجتماعية ،
وحتى أكون واضحا في هذا السرد الموجز ، لابد أن أذكر أن إزاحة الدولة العميقة  والعصابات العاملة معها من على قائمة أرشيف الآفات التي تقلع الخضر واليابسة  في هذا البلد ينبغي أن نعترف  أولا:  أنها لن تكون نزهة سياسية ، بالتالي فليس هنالك من سبيل إلا بتدرج  محوري وهيكلي بغية  ترتيب أوراق اللعبة السياسية اللازمة لمواجهة التحديات وما يمكن أن تمليه من إرهاصات على أرض الواقع ، وإلا كان مجرد تمنيات وأوهام لاتمد صلة بالواقع المعاش حاليا في أرض القَمر ، حيث الدولة لا تبنى بالتمنيات و لا بالمغامرات غير مدروسة العواقب
 إذ إن هذه الزمرة الخطيرة غالبا ما تمسك العصا من الوسط عندما يكون هنالك إجماعًا شعبيًا لتحويل السلطة إلى نقلة نوعية من الشفافية والحرية الديموقراطية حيث لا تزال تحظى بثقل كبير في أروقة المؤسسات العامة والحكومية  وكل منافذ الدولة المعنية بالقرار السياسي بالداخل والخارج ،
ثانيا:  بعد الخطر الذي تمثله الدولة العميقة في وجه انتقال سلمي للسلطة في جزر أرخبيل القمر هنالك مصدر آخر لايقل خطورة في هذا الشأن وهو دور ما يسمى بالطابور الخامس ، ورؤساء المصالح ، وشريحة لا بأس بها من العملاء ، كلهم يضعون ثقلهم في وجه محاولة إعادة دولة القانون والمؤسسات فوق تراب هذا الأرخبيل لما يعتبرونه نكسة خطيرة وتهديدا لمستقبلهم المعيشي والاجتماعي المعتاد و لا يخفى على أحد ما تمثله هذه الشريحة من ويلات في صراعها من أجل الاحتكار وتوجيه السلطة لتضييق الخناق على المجتمع فيما يتعلق بالحياة اليومية  للمواطن،  نتج عنه تكريس الفجوة المعيشة  داخل المجتمع القمري وبروز التسول دون خجل كظاهرة اجتماعية جديدة داخل المجتمع القمري ولأول مرة في تاريخ الأرخبيل .
ثالثا :  إن مصدر القلق الحقيقي بعد الخطر الذي يمثله أرباب المصالح الخاصة هي تحديات الدور الخارجي المتمثل بقوة الهيمنة  والإملاءات الخارجية التي أعاقت كثيرا من تطلعات ليس للشعب القمري فحسب بل أعادت إلى الوراء لقرون عدة معظم الشعوب الحالمة للتحرر من الهيمنة الخارجية من المحيط  إلى الخليج وأصبحت هذه الآفة الآن تُضرب بألف حساب من قبل رواد المجتمع المدني والحالمين بالتحرر ، بالتالي ينبغي لكل من يخطو خطوة في سبيل تحرير الوطن أن يضع في نصب عينيه قضية تحرير المواطن أولا من التبعيات الخارجية وأن يفهم الجميع أن مصائبنا اليومية هي راحة البال للمتربصين الذين يأتون بالوصايا من الخارج وما لم تغلق صفحة الوصايا والإملاءات الخارجية فليس هنالك من سبيل لإعادة المسار إلى طبيعتها الحقيقية في أرض الأرخبيل ،
فسقوط الإمام  ليس بدايةً النهاية للأزمة المستعصية  كما يفهمها البعض ، بل مجرد خطوة أخرى باتجاه المجهول إذا لم تكن هنالك دراسة معمقة للإفلات من العوائق الحقيقية التي تصد الباب أمام التحول الديموقراطي في البلاد ، فحتى لو اكتسحت المعركة على طريقة طالبان فالجدار هائل والمعركة مازالت طويلة ،
والله غالب
الكاتب يوسف مباي علي – باحث أكاديمي في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية بباريس

كل الآراء الواردة في المقال يتحمل الكاتب فقط كامل مسؤوليتها 


Warning: Attempt to read property "ID" on bool in /home/zcxzcido/public_html/wp-content/themes/blocksy/inc/components/single/single-helpers.php on line 52

Warning: Attempt to read property "ID" on bool in /home/zcxzcido/public_html/wp-content/themes/blocksy/inc/components/single/single-helpers.php on line 52

Warning: Attempt to read property "ID" on bool in /home/zcxzcido/public_html/wp-content/themes/blocksy/inc/components/single/single-helpers.php on line 52

Warning: Attempt to read property "ID" on bool in /home/zcxzcido/public_html/wp-content/themes/blocksy/inc/components/single/single-helpers.php on line 52

Warning: Attempt to read property "ID" on bool in /home/zcxzcido/public_html/wp-content/themes/blocksy/inc/components/single/single-helpers.php on line 52

Warning: Attempt to read property "ID" on bool in /home/zcxzcido/public_html/wp-content/themes/blocksy/inc/components/single/single-helpers.php on line 52

Warning: Attempt to read property "ID" on bool in /home/zcxzcido/public_html/wp-content/themes/blocksy/inc/components/single/single-helpers.php on line 52
Articles: 1002