صراع الحب والسلطة: السلطانة جومبيه فاطمة والتنافس العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمرية (1841–1878م)

قراءة في كتاب الدكتور حامد كرهيلا
يأتي هذا الكتاب الفريد للدكتور حامد كرهيلا ليضيء زاوية خافتة من تاريخ جزر القمر، من خلال شخصية نسائية استثنائية جمعت بين الجمال والسلطة، وبين القدر والحيلة السياسية: السلطانة جومبيه فاطمة بنت عبد الرحمن (1841–1878م).
يمثل هذا العمل امتدادًا لبحوث المؤلف حول العلاقات العُمانية القمرية، غير أنه يتجاوز السرد التاريخي التقليدي إلى تحليل أعمق لعلاقة الحب والسياسة والمصلحة، في سياق تنافس القوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها عُمان وفرنسا، على جزيرة موهيلي القمرية.

بين الحب والسلطة والنفوذ

يطرح المؤلف سؤالًا محوريًا: هل كان الصراع حول السلطانة لجمالها وثرائها ونسبها، أم حول موقع جزيرتها الاستراتيجي؟
وتقود الإجابة إلى جوهر الكتاب، حيث يتجلى التفاعل المثير بين العاطفة والسياسة والهيمنة، إذ كان السعي إلى نيل ودّ السلطانة أو الزواج منها سبيلًا للسيطرة على الجزيرة، وتحقيق النفوذ الإقليمي.

موهيلي: اللؤلؤة التي تنازعتها القوى

يستعرض الكتاب بإتقان ماضي الجزيرة قبل اشتعال الصراع، إذ كانت موهيلي (المعروفة أيضًا بـ”موالي”) أصغر جزر القمر وأكثرها بهاءً، وقد خضعت للنفوذ العربي منذ عهد السلطان عبد الرحمن، والد فاطمة، الذي أعلن ولاءه للسلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي، فصار العلم العُماني يرفرف فوق الجزيرة رمزًا للسيادة العربية والإسلامية.

بداية التنافس الفرنسي

بوفاة السلطان عبد الرحمن سنة 1841م، تركت مقاليد الحكم لطفلة في الخامسة من عمرها. هنا وجدت فرنسا الفرصة سانحة لبسط نفوذها انطلاقًا من جزيرة مايوت، مستغلةً هشاشة الحكم وصغر سن السلطانة.
ومع اتساع أطماعها، عمدت فرنسا إلى محاربة العروبة والإسلام عبر أسلوب ناعم: إرسال مربية فرنسية لتنشئة فاطمة على الثقافة الأوروبية والعقيدة المسيحية، وغرس العداء لكل ما هو عربي، مع متابعة دقيقة لتحركات الدولة العُمانية في الجزيرة.

ذروة الصراع وتحوّلات المصير

حين زُفّت السلطانة الشابة إلى الأمير العُماني سعيد بن محمد بن ناصر البوسعيدي، تصاعدت حدة التنافس، إذ رأت فرنسا في هذا الزواج تهديدًا مباشرًا لنفوذها.
فأطلقت أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في مواجهة عُمان: من القصف البحري إلى الضغوط الدبلوماسية، مرورًا بالمشاريع التجارية والتنصيرية التي زرعت النفوذ الفرنسي في عمق المجتمع القمري.

لكن المأساة الكبرى تمثلت في زواج السلطانة لاحقًا من المزارع الفرنسي جوزيف لامبير، وتوقيعها على ما سماه المؤلف “اتفاقية الامتياز”، التي مهدت الطريق أمام الاستعمار الفرنسي المباشر.
وعلى الرغم من محاولة فاطمة لاحقًا تصحيح المسار وقيادة مقاومة سياسية لإلغاء الاتفاق، فإن الأوان كان قد فات، وقد أصبحت الجزيرة رسميًا تحت السيطرة الفرنسية.

خاتمة المأساة

انتهى الصراع بتجريد السلطانة من سلطتها، وتعيين الحكام بأوامر إدارية فرنسية. وبعد وفاة زوجها الفرنسي، تزوجت فاطمة من وريثه لانجلاي، ثم نصبت فرنسا ابنتها من لامبير، سلمى مشيمبا، سلطانة على الجزيرة، لتُغلق الحلقة الاستعمارية بالكامل.

خلاصة الكتاب

يخلص الدكتور كرهيلا إلى أن السلطانة جومبيه فاطمة، عن قصد أو عن غير قصد، تحولت إلى أداة في المشروع الفرنسي التوسعي، لتؤكد التجربة التاريخية المقولة الشهيرة: “الغرب لا يعرف صديقًا دائمًا، بل مصلحة دائمة.”
وقد اعتمد المؤلف في دراسته على مصادر فرنسية ووثائق تاريخية نادرة من فترة ما قبل الاستعمار، مما أضفى على الكتاب قيمة علمية وتوثيقية بالغة.


عن المؤلف

الدكتور حامد كرهيلا مؤرخ وباحث أكاديمي من جزر القمر، متخصص في تاريخ العلاقات العربية القمرية والعُمانية الإفريقية. صدرت له دراسات ومؤلفات رصينة تناولت الوجود العُماني في شرق إفريقيا وجزر القمر، وأثر التفاعل العربي الإفريقي في بناء الهوية الثقافية والسياسية لتلك المنطقة. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة التاريخية والتحليل الثقافي، ما يجعل أعماله مرجعًا أساسيًا للباحثين في تاريخ المحيط الهندي والعلاقات العربية الإفريقية.

د. توفيق جميعان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى