يبقى فألي خير
على تلك الهضبة العالية المتاخمة لمضارب قبيلة ضمت ليلى وقيسها ،،عزة وكُثيرها ،، بثينة وجميلها ،، وكل الذين خطهم التاريخ دون ان يخيط جراحهم ..جلست وحدي إلا من طيف داخلي ارقب الاحداث والصور من بعيد، اراهم بوضوح وكما ليس احد ..لكم اتألم لهم واحس بهم جيداً …… نعم ،واحس بكل مُحب دنف حظه في الحب مثلهم ،
أحس بدمعه الراكد حد التحجر في مئاقيه ، بغصته القاسية في الحلق ، بقلبه المقهور ونبضه المسجور ، بأنفاسه المسجونة خلف الآه ، بكبده الحرّى ، بروحه المسحوقة وهو حي ، بكفه التي ترتجف من ألم الذات ، بصوته المذبوح قبل ان يلد الصدى ، بأقدامه التي خانته ولم تعد تقوى على حمله و اكتافه تحمل جبال أحزان ، بباله المتشرد من مالكه والمتمرد على مملكة النسيان ، بجرحه الغائر الذي كلما لفحت اطرافه ذكرى ازداد النزف واتسع الفتق ، بعجزه عن فعل شيئ ، بيأسه من كل شيئ ،
نعم أحس بكل ذلك ويؤلمني أن لا نتعمق في حكاياتهم أن لانسمع بكاءهم وقصائدهم وكلماتهم بقلوبنا وأن لا تعجبنا ويؤلمني أكثر أن تعجبنا وتحلو بها جلساتنا …… عفواً ، إنها فوضى التعبير تضج بداخلي … اعترف أن حكاياتهم تروقني جداً وأسعد حين اطوف بين أروقة واقعها وصورها وأحداثها وأعيش تفاصيلها بكل جوارحي ولكن يؤلمني سعدي بها ،، و أسأل نفسي كيف تسعدني تلك الجراح النازفة والتي لم يدملها حتى مرور الأزمان وظلت كلما مر عليها قارئ فتّق رتقها وابتسم سعيداً بالحكاية
يــــآه ..كم أخجل من نفسي … أولئك المساكين وحال لا يحسدون عليه ننتشي بذكره لتفرده ووجوده في قائمة الأساطير الرائعة ،،، يسرني جداً أن لا أكون بذات النهايات …… على نحو آخر سأستعير بعض الصور ؛ صحراء نصف خالية ومضارب قبائل بالقرب من إطار اللوحة ونخلات مترامية هنا وهناك ، ليل و وحشة وسكون ونوق لا أراها و رعاة وقِراب ، وأمامي جمر الغضا ينظر إليّ بعيونه الملتهبة ويشوي بيديه المشتعلتين أرنب صغير اصطدته صدفة لا حرفة وقهوة تنتظر دورها على الجمر ، وعن يميني ناي صوته شبه جيد وسيف عربي يحكي بطولات أسطورية لم تحدث بعد ، وعلى شمالي أتكئ لأكتب على الرمل ما يمليه علي قرين شعر رافقني من وادي عبقر فلربما ينجح فيجعلني شاعرة يوما ما ، وخلفي خيمة مضاءة بالحلم ، وفوقي سبع نجمات مشاكسات وقمر نام بعد أن عوى على قرصه ذئب خرافة قديم متهالك ، وعشرون غيمة يتماسكن بنية الهطول ، وبومتان تتهامسان وتؤكدان أن هذا نذير شؤم ،،، ،،، فأبتسم لأني لا أتطير أبداً ،
يسبقني حسن الفأل بأية حال ، تهمي الغيمات فأقف بكل ثقة وشموخ أغمض عيناي وأفرد يداي للمطر .. لرائحة الصحراء المبتلة .. لنكهة القصص القديمة .. لأريج العشق وأستنشقه حتى آخر شهقة ليملأ كل مساماتي .. يمتد ذراعاي تتمدد منها أغصان تنبت أوراق تحمل كل الألوان تتفتح أزهار ذهبية وتغدو دمائي خضراء تسقي كل عروق الأرض ، يتعالى النبض ينادي كل فراشات الكون وعصافيره .. تملأني النشوة حين تحط على أغصاني وتغرد لحنا كالقيثار … ويعزف طيفه أوزاني … يمشي صبري فوق صفير النار ، يمتزج اللحن ويمزجني … افتح عيناي .. أطلّ صباحي .. وها قد نبتت كل صحرائي أقاحي … ليبقى فألي دوماً خير . َ
بقلم : نهى إبراهيم سالم







