تكريم وطني لرجل من ذهب

ركنٌ من أركان الدرك الوطني، وابن أصيل من مدينة كوامباني في إقليم واشيلي، ووريث أسرة ملكية ودينية عريقة، العقيد عبد الرزاق عبد الحميد المعروف بأب أبو الدرك الوطني فهو أول قائد للدرك في عهد الرئيس أحمد عبد الله عبد الرحمن ويُعرف عنه أنه أنشأ هذه المؤسسة وشكّلها ومنحها روحاً، ولا تزال تحمل بصمة رؤيته وشجاعته حتى اليوم.
هناك رجال لا يمرّون في تاريخ الأمم مروراً عابراً، بل يتركون فيه نوراً وسمعة وذكراً طيباً لا يغيب.
من هؤلاء الرجال فقيدنا العظيم، ابن مدينة كوامباني، من قلب إقليم واشيلي، المنتمي إلى أسرة ملكية ودينية معروفة بثباتها، وكرمها، ووفائها، وحكمتها عبر الأجيال.
لم يكن الراحل مجرّد ضابط في الدرك الوطني، بل كان مدرسة في الانضباط، ورمزاً في الحكمة، وركناً ثابتاً من أركان الدولة، يمارس واجبه بإيمان راسخ، وبأخلاق عالية، وباحترام بالغ للمؤسسة العسكرية ولجميع من خدم فيها.
مسيرة مهنية ذهبية: الانضباط هويته، والوفاء منهجه
منذ أن التحق بصفوف الدرك الوطني، حمل الزي العسكري كمن يحمل أمانة لا تُخان، وسار في دروب الخدمة العامة بثبات الرجال الذين يعرفون قيمة القسم العسكري، فقد امتاز – رحمه الله – بـصرامة لا انفلات فيها، وحكمة تجعل منه مرجعاً لمن حوله، وأخلاق رفيعة في التعامل مع الجنود والضباط، واحترام كامل للمؤسسة العسكرية، وحرص دائم على كرامة كل فرد يرتدي الزي، وكان يؤمن أن خدمة الوطن ليست مهنة، بل عبادة، وأن الانضباط ليس أمراً إدارياً، بل قيمــة وأسلوب حيــاة.
كان قريبا من رجال السياسة المحبين للوطن
خلال مسيرته، ظل قريباً من الشخصيات السياسية الوطنية التي تحمل في قلوبها حبا للوطن وشعبه
عرفوه صادقاً، نزيهاً، متوازناً، لا يتجاوز حدوده، ولا يطمع في منصب، ولا يستغل قربه من القرار
كان مثالاً للضابط الذي يعمل بصمت، ويفكّر بعقل، ويؤدي واجبه دون ضجيج، هؤلاء القادة السياسيون لم يحبّوه لأنه موظّف، بل لأنّه رجل دولة.
ابن كوامباني وفخر واشيلي
في كوامباني، اسمه يردده الصغير قبل الكبير، لأنهم رأوا فيه الابن الذي لم يغيّره المنصب ولا البدلة العسكرية، كان يعود إلى قريته بعفوية، يجالس الشيوخ والوجهاء، ويستمع للشباب، ويقف دائماً إلى جانب أهله. أما واشيلي، فهي تعرف جيداً قيمة الرجال الذين ينهضون باسمها.
وقد كان، بلا شك، أحد أبرز أبنائها الذين وصلوا إلى أعلى درجات الاحترام داخل الدولة دون أن يتخلّى يوماً عن تواضعه أو أصالته.
فإلى أسرته الشريفة، الملكية، الدينية العريقة…
إلى إخوته وأخواته…
إلى أولاده الذين يحملون اليوم اسمه وسمعته…
إلى كل بيوت العائلة الممتدة في كوامباني وواشيلي…
نعلم أن فقدان رجل مثله ليس حدثاً عادياً.
لكن عزاءكم العظيم أن فقيدكم لم ينتمِ لأسرة واحدة، بل أصبح ابناً لكل الأسر، وفخراً لكل القرى، وذخراً لكل الوطن.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمكم الصبر والرضا، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يرفع ذكره في الدنيا والآخرة.
شهادتي الشخصية
علاقة إنسانية لا تنسى… ونصائحُ احتفظ بها حتى آخر العمر
وأسمح لنفسي هنا أن أذكر شهادة شخصية، تعني لي الكثير، وتبيّن معدن هذا الرجل النبيل.
لقد كانت علاقته بوالدي، القاضي الأسبق لمنطقة واشيلي سيد محمد الباقر بن طيب جمل الليل، علاقة أخوة صادقة، علاقة احترامٍ ومودّة، ظلّت تُحفظ كالأمانة حتى آخر لحظة.
كان بينهما تواصل دائم، ونقاشات عميقة، وتبادل للرأي، ومجالس عامرة بالنصيحة والحكمة.
وأنا اليوم أحمل أثر تلك العلاقة… فقد كان – رحمه الله – لا يمضي لقاءٌ بيننا إلا ويقدّم لي نصيحة، أو كلمة موجّهة، أو توجيهاً صادقاً يشعر به الأب تجاه ابنه.
هذه النصائح سأحملها في قلبي ما حييت، وأعتبرها امتداداً للعلاقة التي جمعته بوالدي، رحمهم الله جميعاً.
الجسد يرحل وتبقى السيرة
رحل جسده عن هذه الدنيا، لكن تبقى سيرته ركناً من تاريخ الدرك الوطني، وتبقى أخلاقه منهجاً للمؤسسة العسكرية، وتبقى ذكراه فخراً لأهله ولقومه في واشيلي، وتبقى مكانته محفورة في قلب كل من عرفه.
اللهم اغفر له، وارحمه، واجعل أعماله في ميزان حسناته، واجمعه بمن أحبّ في جنات النعيم.
من مصطفي سيد محمد الباقر جمل الليل
المستشار السابق المكلف بالملف العربي
بوزارة الزراعة والصيد والسياحة والبيئة والصناعة.





